الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

382

تفسير روح البيان

ولم يكن لهم قصاص على جناية في نفس أو طرف فاتبعوا هذه الا وامر وأطاعوا اللّه وكانوا متوادين ومتراحمين ووصفوا بالرحمة خلاف اليهود الذين وصفوا بالقسوة وَرَهْبانِيَّةً منصوب اما بفعل مضمر يفسره الظاهر اى وابتدعوا اى اتباع عيسى رهبانية ابْتَدَعُوها اى حملوا أنفسهم على العمل بها واما بالعطف على ما قبلها وابتدعوها صفة لها اى وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عندهم اى وقفيناهم للتراحم بينهم ولابتداع الرهبانية واستحداثها قال في فتح الرحمن المعتزلة تعرب رهبانية على أنها نصب بإضمار فعل يفسره ابتدعوها وليست بمعطوفة على رأفة ورحمة ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على مذهبهم انتهى والرهبانية المبالغة في العبادة بمواصلة الصوم ولبس المسوح وترك أكل اللحم والامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الغيران ومعناها العفلة المنسوبة إلى الرهبان بالفتح وهو الخائف فان الرهبة مخافة مع تحزن واضطراب كما في المفردات فعلان من رهب كخشيان من خشي وقرئ بضم الراء كأنها نسبة إلى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان ولعل التردد لاحتمال كون النسبة إلى المفتوح والضم من التغيير النسب يعنى ان الرهبان لما كان اسما لطائفة مخصوصة صار بمنزلة العلم وان كان جمعا في نفسه فالتحق بانصار واعراب وفرآئض فقيل رهبانى كما قيل انصارى وأعرابي وفرآئضى بدون رد الجمع إلى واحده في النسبة وقال الراغب في المفردات الرهبان يكون واحدا وجمعا فمن جعله واحدا جمعه على رهابين ورهبانية بالجمع أليق انتهى وهي الخصال المنسوبة إلى الرهبان وسبب ابتداعهم إياها ان الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد رفع عيسى فقاتلوا ثلاث مرات فقتلوا حتى لم يبق منهم الا قليل فخافوا أن يفتتنوا في دينهم فاختاروا الرهبانية في قلل الجبال فارين بدينهم مخلصين أنفسهم للعبادة منتظرين البعثة النبوية التي وعدها لهم عيسى عليه السلام كما قال تعالى ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد الآية ( وروى ) ان اللّه لما أغرق فرعون وجنوده استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة موسى عليه السلام في الرجوع إلى الأهل والمال بمصر فأذن لهم ودعا لهم فترهبوا في رؤوس الجبال فكانوا أول من ترهب وبقيت طائفة منهم مع موسى عليه السلام حتى توفاه اللّه ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه السلام ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ جملة مستأنفة والنفي متوجه إلى أصل الفعل اى ما فرضنا عليهم تلك الرهبانية في كتابهم ولا على لسان رسولهم إِلَّا استثناء منقطع اى لكن ابتدعوها ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ اى لطلب رضاه تعالى فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها اى فمارعوا جميعا حق رعايتها بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد عليه السلام ونحوها اليه قال عليه السلام من آمن بي وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون قال مقاتل لما استضعفوا بعد عيسى التزموا الغيران فما صبروا وأكلوا الخنازير وشربوا الخمور ودخلوا مع الفساق وفي المناسبات فمارعوها اى لم يحفظها المقتدون بهم بعدهم كما أوجبوا على أنفسهم حق رعايتها اى بكمالها بل قصروا فيها ورجعوا عنها ودخلوا في دين